احجز استشارة

الإكراه في العقد: هل يُبطل التوقيع تحت التهديد في السعودية؟

جاءك ثلاثة رجال إلى المحل بعد إغلاقه، أغلقوا الباب، وقال أحدهم إنك لن تخرج حتى توقّع إقرارًا بأنك مدين لقريبهم بمئتي ألف ريال وتتنازل عن حصتك في الشراكة. وقّعت لأنك خفت على نفسك. بعد أسبوع جاءك من يطالبك بالمبلغ ويقول: «توقيعك عليك».

التوقيع دليل على صدور التصرف منك، لكنه لا يغلق باب البحث في ظروفه. المادة 64 من نظام المعاملات المدنية تعرّف الإكراه بأنه تهديد شخص دون حق بوسيلة مادية أو معنوية تخيفه فتحمله على التصرف، والمادة 67 تعطي المكرَه حق طلب إبطال العقد إذا صدر الإكراه من المتعاقد الآخر. ودعوى الإبطال هنا لا تُسمع بعد سنة من زوال الإكراه، لا من يوم التوقيع.

متى يكون التهديد إكراهًا؟

تشترط المادة 65 أن يكون التهديد بخطر جسيم محدق يلحق نفس المكرَه أو عرضه أو ماله، أو أن يكون مسلطًا على غيره، كأحد أفراد أسرته، بحيث لم يكن ليبرم العقد لولا الإكراه. فالخوف العام من الطرف الآخر أو خلاف سابق معه لا يكفي؛ لا بد من تهديد معين، وصلة بينه وبين التوقيع.

والوسيلة قد تكون مادية كالحبس والضرب، أو معنوية كالتهديد بفضيحة أو بإيذاء قريب. وكلمة «دون حق» في المادة 64 حاسمة: الدائن الذي يقول لك «إن لم تسدد سأرفع عليك دعوى» يهددك بطريق نظامي هو حقه، وهذا ليس إكراهًا. أما من يهددك بإيذاء أو فضيحة لتتنازل له، فهذا تهديد دون حق، حتى لو كان له أصل دين عندك.

هل يختلف الإكراه من شخص لآخر؟

نعم. المادة 66 توجب مراعاة سن المكرَه وحالته الاجتماعية والصحية وكل ظرف يؤثر في جسامة الإكراه. تهديد قد لا يحرك شابًا قويًا قد يكفي لإرغام رجل مسن مريض أو امرأة وحدها. فلا يُرد طلبك لمجرد أن شاهدًا يقول إنه ما كان ليوقّع في الموقف نفسه.

كيف تثبت الإكراه؟

عبء الإثبات عليك، والإكراه يحدث عادة بلا شهود محايدين. لذلك اجمع ما يمكن جمعه بسرعة:

  • الرسائل الصوتية والمكتوبة التي فيها التهديد، محفوظة كاملة على الجهاز الأصلي.
  • تسجيلات كاميرات المحل أو المكان قبل أن تُمسح تلقائيًا.
  • بلاغ للجهات الأمنية إن كان التهديد جنائيًا، فتاريخه قرينة مهمة.
  • شهادة من رآك بعد الواقعة مباشرة أو أخبرته بها في حينها.
  • اعتراضك المكتوب على التصرف فور زوال التهديد.

وإذا كان الخطر على سلامتك ما زال قائمًا، فقدّم حمايتك على ملف العقد، وتوجه للجهات الأمنية أولًا. والمسار الجزائي ضد من هددك مستقل عن دعوى الإبطال المدنية؛ ثبوت أحدهما يعين في الآخر، لكنه لا يغني عنه.

إذا جاء التهديد من شخص غير الطرف الآخر

إذا صدر الإكراه من غير المتعاقدين، فلا يحق لك طلب الإبطال إلا إذا أثبتّ أن المتعاقد الآخر كان يعلم بالإكراه أو كان من المفترض أن يعلم به (المادة 67). في القصة، الرجال الثلاثة أقارب الدائن، فالسؤال: هل أرسلهم؟ هل كان يعلم؟ هل استلم الإقرار منهم مباشرة؟ هذه التفاصيل تحسم الطلب.

هل ينطبق ذلك على الإقرار بالدين والتنازل؟

نعم. الإقرار بدين أو التنازل عن حق قد يكون تصرفًا بإرادة منفردة، والمادة 116 تسري عليه أحكام العقد، عدا ما يتعلق بضرورة وجود إرادتين متطابقتين. فعيب الإكراه يمتد إليه كما يمتد إلى العقد.

الضغط المالي ليس إكراهًا، لكنه قد يكون استغلالًا

من يبيع سيارته بنصف قيمتها لأنه محتاج للسيولة لم يُكرَه؛ لم يهدده أحد. لكن إذا استغل الطرف الآخر ضعفًا ظاهرًا أو حاجة ملحة لديك وأوقعك في غبن، فالمادة 68 تسمح للمحكمة بإنقاص التزاماتك أو زيادة التزامات الطرف الآخر أو إبطال العقد. وهذه الدعوى مدتها 180 يومًا من التعاقد، وإلا لم تُسمع. والغبن وحده دون استغلال لا يكفي في الأصل (المادة 69).

متى ترفع الدعوى؟ وما الذي يسقط حقك؟

لا تُسمع دعوى الإبطال للإكراه بعد سنة من زوال الإكراه، ولا بعد عشر سنوات من التعاقد (المادة 79). والمدد تُحسب بالتقويم الهجري (المادة 2). فإن ظل التهديد قائمًا أشهرًا بعد التوقيع، لم تبدأ السنة حتى يزول.

ويسقط الحق بالإجازة الصريحة أو الضمنية (المادة 78). الاستمرار في التنفيذ والتهديد قائم لا يُعد إجازة في الغالب، لأن الإرادة ما زالت معيبة. لكن إن زال التهديد ثم سددت دفعات طوعًا أو أكدت الإقرار في رسالة، فسيُحتج عليك بأنك أجزته.

وإذا أُبطل التصرف عاد الطرفان إلى ما كانا عليه، فيُرد ما انتقل من مال أو حصة، وإن استحال ذلك جاز الحكم بالتعويض (المادة 82).

مثال

وقّع شريك تنازلًا عن حصته بعد رسالة صوتية فيها تهديد صريح بإيذاء ابنه. بقي خائفًا ثلاثة أشهر لأن المهدد يسكن قريبًا، ثم انتقل المهدد إلى مدينة أخرى. سنة الإبطال تبدأ من زوال التهديد بانتقاله، لا من تاريخ التوقيع.

أما لو كان ما جرى تفاوضًا حادًا على تقييم الحصة، مع إصرار الطرف الآخر على السعر وإلا رفع دعوى تصفية، فهذا لا يُعد إكراهًا؛ اللجوء للقضاء حق.

حلول عملية للطرفين

إذا كنت وقّعت تحت التهديد:

  • اضمن سلامتك أولًا، وبلّغ الجهات الأمنية إن كان التهديد جنائيًا.
  • احفظ الأدلة فورًا: الرسائل والتسجيلات وأسماء من رأوك بعد الواقعة.
  • أرسل اعتراضًا مكتوبًا على التصرف بمجرد زوال التهديد.
  • لا تسدد ولا تؤكد الإقرار بعد زوال التهديد، فقد يُعد ذلك إجازة.
  • احسب سنة من زوال الإكراه، وارفع دعوى الإبطال في مدتها.

وإذا كنت الطرف الذي يتمسك بالتوقيع:

  • اجمع ما يثبت ظروف التوقيع: المكان، والحضور، والمفاوضات التي سبقته.
  • إن كان الضغط الذي يدعيه مجرد تهديد بالمطالبة النظامية، فهذا حقك وليس إكراهًا.
  • إن صدر التهديد من غيرك، فبيّن أنك لم تعلم به ولم يكن مفترضًا أن تعلم.
  • انظر هل نفّذ الطرف الآخر أو أكد التصرف بعد زوال ما يدعيه، فهذه إجازة.
  • تحقق من مضي سنة على زوال الإكراه المدعى.

قضايا الإكراه تُكسب أو تُخسر بالأدلة التي تُحفظ في الأيام الأولى. إن أرسلت لنا عبر واتساب ما وقّعته وما لديك من رسائل وتواريخ، نساعدك في ترتيب موقفك قبل أن يفوت شيء منها.

تحتاج رأياً في حالتك بالذات؟

كل قضية لها تفاصيلها. اكتب لنا وضعك باختصار، ونرتب لك جلسة مع محامي يسمع التفاصيل ويقول لك رأيه بوضوح.

أسئلة شائعة

هل الضغط المالي أو الحاجة تعتبر إكراه؟

لا. الإكراه يحتاج تهديدًا دون حق. أما استغلال حاجتك الملحة لإيقاعك في غبن فحالة أخرى في المادة 68، ودعواها خلال 180 يومًا من التعاقد.

هل لازم يكون الإكراه ضرب أو عنف؟

لا. المادة 64 تشمل الوسيلة المادية والمعنوية، كالتهديد بفضيحة أو بإيذاء قريب، بشرط أن يكون الخطر جسيمًا محدقًا.

إذا هددني الدائن برفع قضية ووقعت، هل هذا إكراه؟

لا. التهديد باستعمال حق نظامي كالتقاضي ليس تهديدًا «دون حق»، فلا يُعد إكراهًا.

متى تبدأ مدة دعوى الإبطال للإكراه؟

من زوال الإكراه، وتنتهي بسنة منه، ولا تُسمع الدعوى بعد عشر سنوات من التعاقد (المادة 79).

وقّعت إقرار بدين تحت التهديد، هل أقدر أبطله؟

نعم إذا ثبت الإكراه بشروطه؛ أحكام العقد ومنها عيوب الرضا تسري على التصرف بالإرادة المنفردة (المادة 116).

المرجع النظامينظام المعاملات المدنية: المواد 2 و64 و65 و66 و67 و68 و69 و78 و79 و82 و116

هذا المقال معلومات عامة وليس استشارة قانونية. لكل قضية ظروفها، فراجع محامياً قبل اتخاذ أي قرار. إخلاء المسؤولية

مكتبة الكنعاني

عندك سؤال لم نكتب عنه بعد؟

اكتب لنا قضيتك في سطرين، ونرتب لك جلسة مع محامٍ مرخّص.

راسلنا في واتساب
استشر محامي