حادث واحد في ثوانٍ، وأسرتان تتغير حياتهما. أسرة فقدت عزيزًا، وسائق لم يقصد شيئًا ويجد نفسه موقوفًا. وبين الحزن والارتباك تأتي الأسئلة العملية: هل تجب الدية؟ كم هي؟ من يدفعها؟ وهل يغني التأمين عنها؟
الجواب المختصر: إذا مات شخص في حادث بسبب خطأ السائق، تجب الدية لورثته حقًا خاصًا، ولهم العفو عنها كلها أو بعضها أو الصلح عليها. وإذا كانت المركبة مؤمَّنة، فالتأمين الإلزامي يغطي الأضرار الجسدية للطرف الثالث في حدود الوثيقة، وما زاد عنها يبقى على المتسبب. وبجانب الدية هناك الحق العام: نظام المرور يعاقب من أتلف نفسًا في حادث متعديًا أو مفرطًا بالسجن حتى سنة وغرامة حتى 10 آلاف ريال أو بإحداهما (المادة 62).
أساس الدية
الدية حكم شرعي في القتل الخطأ، قال تعالى: «وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا» (النساء: 92). ونظام المعاملات المدنية يحيل في الضرر الواقع على النفس أو ما دونها إلى الضمان المقدّر في الشريعة: مقدار التعويض عن الإصابة ذاتها يتحدد وفق أحكام الضمان المقدّر في الجناية على النفس وما دونها (المادة 142).
والآية نفسها تفتح باب العفو بقوله: «إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا»، فللورثة أن يتنازلوا عن الدية كلها أو بعضها. وفيها كذلك الكفارة على القاتل خطأً: تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وهي حق لله لا يُسقطها عفو الورثة.
الحق العام والحق الخاص
نظام المرور يعاقب من أتلف نفسًا في حادث سير متعديًا أو مفرطًا بالسجن مدة لا تزيد على سنة وغرامة لا تزيد على عشرة آلاف ريال أو بإحداهما، دون إخلال بما يتقرر للحق الخاص (المادة 62). فالدية حق خاص لورثة المتوفى، والعقوبة حق عام، والتنازل عن أحدهما لا يعني بالضرورة سقوط الآخر.
وإذا نتج عن الحادث وفاة أو إصابة جسيمة، يوقف السائق المتسبب مدة لا تتجاوز اثنتين وسبعين ساعة، وللمحكمة تمديدها، ويُطلق فور تقديم كفالة أو وثيقة التأمين المطلوبة (المادة 61).
كم مقدار الدية؟ ومن يدفعها؟
الأصل في الدية الإبل، والمحاكم تقضي بمقابلها النقدي. والمعمول به منذ 1432هـ أن دية القتل الخطأ 300 ألف ريال، ودية العمد وشبه العمد 400 ألف ريال، بتعميم المجلس الأعلى للقضاء رقم 192/ت وتاريخ 9/10/1432هـ المبني على الأمر الملكي رقم 43108 وتاريخ 2/10/1432هـ. ووفاة الحوادث المرورية تُعامل في الأغلب قتلًا خطأً، فتكون ديتها 300 ألف ريال للرجل، ودية المرأة على النصف منها (150 ألف ريال). ومع ذلك، فالمبلغ الذي يلزم المتسبب هو ما يُثبت في صك الحكم، ويتأثر بنسبة خطئه إذا كان للمتوفى أو لغيره نصيب في الحادث.
وإذا كانت للمركبة وثيقة تأمين سارية، فالوثيقة الموحدة للتأمين الإلزامي على المركبات تلزم الشركة بتعويض الطرف الثالث عن الأضرار الجسدية والمادية الناتجة عن خطر غير مستثنى، بحد أقصى 10 ملايين ريال في الواقعة الواحدة. وفي حالات محددة، مثل السير عكس الاتجاه أو قطع الإشارة الحمراء، تدفع الشركة للورثة ثم ترجع على السائق. وإذا لم يكن هناك تأمين، أو كانت الحالة مستثناة من الوثيقة، بقي الالتزام على المتسبب من ماله.
سائق تجاوز الإشارة الحمراء فصدم سيارة وتوفي راكبها، والتقرير حمّله الخطأ كاملًا.
يُوقف السائق ما لا يتجاوز 72 ساعة قابلة للتمديد من المحكمة، ويُطلق فور تقديم كفالة أو وثيقة التأمين المطلوبة (المادة 61).
ورثة المتوفى يطالبون بالدية، وشركة تأمين السائق تدفع لهم في حدود الوثيقة ثم ترجع على السائق لأنه قطع الإشارة. ويبقى الحق العام منظورًا أمام المحكمة الجزائية ولو عفا الورثة.
ماذا لو كان على المتوفى جزء من الخطأ؟
إذا شارك المتوفى بخطئه في وقوع الحادث، كأن عبر الطريق من غير المكان المخصص أو قاد بلا حزام وسرعة زائدة، فالمسؤولية تتوزع. ونظام المعاملات المدنية يُسقط من حق المتضرر بقدر اشتراكه في الخطأ (المادة 128)، والمحكمة تقدّر ذلك في ضوء تقرير الحادث وبقية الأدلة. لذلك تابع تقرير الحادث ونسبة الخطأ من أول يوم، أيًا كان موقعك.
الحلول المتاحة لك
إذا كنت من ورثة المتوفى:
- احصل على صك حصر الورثة، فالمطالبة حق للورثة جميعًا.
- تابع تقرير الحادث ونسبة الخطأ، فهي تؤثر في المسؤولية.
- قرّروا مجتمعين موقفكم من الحق الخاص: المطالبة، أو العفو، أو الصلح على مبلغ.
- إن كانت هناك وثيقة تأمين، فطالبوا الشركة ولا تنتظروا المتسبب وحده.
وإذا كنت السائق المتسبب:
- قدّم وثيقة التأمين أو الكفالة لتسريع إطلاقك.
- تابع نسبة الخطأ، فقد يكون للمتوفى أو لغيره نصيب في الحادث.
- تواصل مع ورثة المتوفى بتقدير واحترام؛ الصلح والعفو واردان شرعًا ونظامًا.
- افصل بين مسار الحق العام ومسار الدية، فلكل منهما إجراءاته.
قضايا الوفاة في الحوادث حساسة ومركّبة. أرسل لنا عبر واتساب تفاصيل الحادث ووضع التأمين، ونوضح لك موقفك وخطوتك القادمة بهدوء.
تحتاج رأياً في حالتك بالذات؟
كل قضية لها تفاصيلها. اكتب لنا وضعك باختصار، ونرتب لك جلسة مع محامي يسمع التفاصيل ويقول لك رأيه بوضوح.
أسئلة شائعة
كم دية الحادث المروري في السعودية؟
دية القتل الخطأ 300 ألف ريال للرجل، ونصفها للمرأة، وفق تعميم المجلس الأعلى للقضاء رقم 192/ت لعام 1432هـ. ويُخصم منها بقدر نسبة خطأ المتوفى إن كان شريكًا في الحادث.
من يدفع الدية في الحادث المروري؟
السائق المتسبب في الأصل، وإذا كانت المركبة مؤمَّنة فالشركة تتحمل الأضرار الجسدية للطرف الثالث في حدود الوثيقة الموحدة، وما زاد أو استُثني يبقى على السائق.
هل يسقط الحق العام إذا عفا الورثة؟
العفو عن الحق الخاص لا يُسقط الحق العام بالضرورة، ويبقى للمحكمة تقدير العقوبة وفق المادة 62 من نظام المرور.
هل التأمين يدفع الدية؟
غالبًا يدفعها في حدود الوثيقة وشروطها، وما زاد يبقى على المتسبب.
هل للورثة الصلح على أقل من الدية؟
نعم، العفو كليًا أو جزئيًا مشروع بنص الآية، ويُوثّق الصلح رسميًا.
هل عفو الورثة يسقط الكفارة؟
لا. الكفارة الواردة في الآية (تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) حق لله على القاتل خطأً، والعفو يتعلق بالدية التي هي حق الورثة.
هذا المقال معلومات عامة وليس استشارة قانونية. لكل قضية ظروفها، فراجع محامياً قبل اتخاذ أي قرار. إخلاء المسؤولية